أغسطس 15, 2018 (4:55 مساءً)

إسرائيل لم تُفرّق بين كنيسة ومسجد عام 1948

بقلم : جوني منصور

نشرت صحيفة “هآرتس” العبرية يوم الجمعة الماضي 22 كانون الثاني 2016 مقالة بقلم عوفر اديرت تعرض فيها إلى حذف مجموعة من أقوال وبيانات ادلى بها موشي شاريت (شرتوك) عند توليه وزارة الخارجية جوني منصورفي حكومة بن غوريون الاولى في العام 1949. وجاء هذا الكشف بعد ان قام ابنه يعقوب شاريت بزيارة إلى ارشيف دولة اسرائيل الكائن في القدس للبحث عن مواد ارشيفية ليكتب كتابا عن والده. واكتشف أن الرقابة قد حذفت مجموعة من السطور التي تحتوي على اقوال نطق بها موشي شاريت خلال جلسة للحكومة المذكورة بتاريخ الخامس من تموز 1949. وتحتوي هذه السطور موقف شاريت من عمليات النهب والسرقة والتحطيم التي تعرضت لها بعض الكنائس في منطقة الجليل مباشرة بعد سقوط المدن والقرى فيها بيد المنظمات العسكرية اليهودية ثم الجيش الاسرائيلي. وعبّر عن امتعاضه من الاعمال التخريبية التي قام بها جنود في الجيش متجاوزين بذلك، على حد زعمه، كل حدود الاخلاقيات التي يجب ان يتحلى بها المجندون في الجيش الاسرائيلي.

وبيّن المقال في “هآرتس” أن نيّة ابن شاريت هو إخراج الحقيقة (على حد اعتقاده) إلى حيّز الوجود، وان يتعرف القُرّاء على شخصية والده، ومواقفه الاخلاقية، وصراعه ومواجهته لسياسات بن غوريون الاستبدادية والانفرادية. ولم يُشر إلا إلى تعد واحد على كنيسة في كفار ناحوم شمالي بحيرة طبريا. لكنني، ومن خلال مراجعاتي المتكررة لملفات ارشيف دولة اسرائيل عثرت على عدد ليس بقليل من التقارير الموقعة بامضاءات رجال شرطة وجيش حول شكاوى تقدم بها رجال دين مسيحيين من قرى مختلفة في الجليل، ومنها حيفا (على سبيل المثال وليس الحصر) وغيرها، عن سلسلة من الاعتداءات والسرقات وتدنيس قدسية كنائسهم واديرتهم ومؤسساتهم بما فيها المدارس وبيوت الكهنة.

ولأن المقالة في “هآرتس” تتعرض للكنائس وليس للمساجد، فإنني سأنقل إلى القارئ مجموعة من محتويات رسائل ووثائق تؤكد حقيقة الاعمال المشينة واللااخلاقية التي قام بها جنود الجيش الاسرائيلي لأماكن العبادة المسيحية في حيفا والجليل. علمًا، أن هذا الجيش قد اعتدى بصورة وحشية على مجموعة كبيرة من المساجد والمقامات الاسلامية في قرى الوطن، ومن بينها مساجد تم تحويلها إلى متاحف ومعارض صور ولوحات فنية، وبعض آخر تم تحويله إلى مطاعم ومقاهي وخمارات وملاهي ليلية، ومساجد أخرى استخدمت كزرائب كما هو الحال في قرية البصة الواقعة على الحدود الفلسطينية – اللبنانية، حيث استخدم مصنع للحوم المُصنّعة مسجد وكنيستي القرية زرائب للأبقار.

ففي رسالة للجمعية المسيحية التي كان مقرّها في شارع اللنبي 30 بحيفا والمؤرخة بـ 17 حزيران 1949 والموجهة إلى رئيس دولة اسرائيل يشرح المُوقِّع عليها باسم الهيئة الادارية حالة النهب والسلب التي تعرض لها المسيحيون في بيوتهم الخاصة ومؤسساتهم. وأُرسِلت الرسالة باللغتين العربية والانجليزية.

وعثرتُ أيضًا على رسالة للكاهن اغناطيوس، الرئيس الروحي لطائفة الروم الارثوذكس بحيفا والتي وجهها إلى وزراء الداخلية والأديان والأقليات ولرئيس بلدية حيفا بتاريخ 2 نيسان 1949 وفيها يستنكر بشدّة إقدام السلطات على هدم الدير الارثوذكسي الملاصق لكنيسة الروم الارثوذكس في البلدة القديمة وكذلك مبنى المدرسة التابع لها.. وفقدان كافة محتويات الكنيسة.

وعثرتُ ايضًا على تقرير لقائد مركز شرطة البلدة التحتا بحيفا مؤرخ بـ 31 تموز 1948، اي ثلاثة شهور بعد سقوط مدينة حيفا بيد منظمة “الهاغاناه” العسكرية وترحيل أهالي حيفا العرب والاستيلاء على بيوتهم وممتلكاتهم. اشار ضابط المركز إلى انه تلقى شكاوى من الارشمندريت بطرس فاخوري الرئيس الروحي لطائفة الروم الكاثوليك بحيفا يُعلمه فيها عن سلسلة من السرقات واعمال التخريب التي تعرّضت لها كنائس طائفته بحيفا. فقدم فاخوري شكوى بتاريخ 22 تموز 1948 عن سرقة كأس ذهبية، وشمعدانات وصليب وملابس كهنة وآثاث من كنيسة السيدة في البلدة القديمة. وفي شكوى اخرى تقدم بها بتاريخ 29 تموز 1948 ذكر الاب فاخوري انه تمّت سرقة كنيستي محطة الكرمل ووادي الجمال. وان المنهوبات شملت ما يلي: خزانتان وملابس اطفال. واشار التقرير إلى أنهما اعيدتا لاحقا الى كنيسة المحطة. اما ما سرق من اواني مقدسة وشمعدانات وادوات مطبخ وأسرّة فلم يتم اعادتها بالمرّة. واشار التقرير ذاته إلى أن أمين كنيسة وادي الجمال بحيفا أبلغ الكاهن المذكور بسرقة كراسي وطاولات وأغطية وستائر من كنيسة وادي الجمال، وهذه لم يتم اعادتها.

وفي شكوى إلى رئاسة بلدية حيفا تقدم بها الاب باسيليوس لحام من كنيسة الروم الكاثوليك بتاريخ 1 آب 1948 عبر فيها عن امتعاضه واستنكاره وشجبه لعمليات هدم اوقاف كنسية من قبل هيئة البلدية دون إعلام أو إخطار اصحاب الملك، كما حصل بالقرب من كنيسة مار الياس في مفترق طرق عين دور واللنبي والجبل في مدينة حيفا.

واشارت بعض الوثائق إلى تقدم رؤساء كنائس في حيفا وبعض قرى الجليل بطلب تعويضها عن الخسائر التي لحقت بها، والعمل على ترميم ما تم تشويهه من كنائس وأديرة. واستجابت وزارتي الاقليات والأديان إلى عدد من هذه الطلبات، من منطلق عدم إثارة ضجة سياسية ودبلوماسية مع ممثليات الدول الاوروبية المسيحية، وفي مقدمتها الفاتيكان.

وهناك العشرات من الرسائل والشكاوى التي تقدم بها رجال دين مسيحيين ومؤسسات تابعة لهم حول السرقات والتعديات التي قام بها جنود اسرائيليون بمعرفة او عدم معرفة قياداتهم. لكن من الثابت والمؤكد ان موشي شاريت وبالرغم من نوايا ابنه في تبييض صفحة والده التاريخية، وغسلها من كل الأخطاء والخطايا، إلا أنه (موشي شاريت) شريك رئيس في الخطط الحربية التي وضعتها قيادات منظمات عسكرية وفي مقدمتها “الهاغاناه” بقيادة بن غوريون للانقضاض على المدن والقرى الفلسطينية وتطهيرها عرقيا، ترحيل سكانها والاستيلاء على البيوت ومحتوياتها والاراضي والعقارات لأنها ستشكل رصيدا رئيسيا لانطلاق مشروع الدولة الصهيونية في فلسطين. فإن كانت المسألة للتذكير فقط بما حصل، فهذا امر سهل للغاية، يمكن نقله عبر تصوير مجموعة من الوثائق والمستندات لتبيان الحقائق. لكن القضية اكثر من ذلك، وهي مرتبطة في جريمة تجريد شعب بكامله من أرضه وبيوته وعقاراته وتحويله إلى لاجئ فاقد لكل أسس الحياة لينطلق في مسيرة النضال والكفاح من اجل استعادة حقوقه.

وفي واقع الأمر أنّ القيادات الصهيونية من سياسية وعسكرية ومنذ ما قبل العام 1948 وحتى بعده، لم تُفرّق بين كنيسة ومسجد، بين مقبرة ومقام، بين مؤسسة ودير.. فكل ما هو غير يهودي معرض إلى ايامنا لخطر الاعتداء والتدنيس، ولخطر الهدم والتشويه.

* مؤرخ فلسطيني مقيم في مدينة حيفا. – johnnymansour1@gmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.