أغسطس 15, 2018 (4:54 مساءً)
يوميات معركة مخيم جنين- اليوم السابع (الأحد) 7/4/2002: كمين رفع المعنويات-مواجهة حارة أبو جواد
يسار : الشهيد محمد النورسي - الاسير علاء فريحات - الشهيد علاء الصباغ

يوميات معركة مخيم جنين- اليوم السابع (الأحد) 7/4/2002: كمين رفع المعنويات-مواجهة حارة أبو جواد

بقلم النائب جمال حويل

في صباح اليوم السابع, الذي اختلط فيه الليل بالنهار على المقاومين لأن المعركة كانت مستمرة على مدار أربع وعشرين ساعة، وبسبب الأجواء الماطرة والضباب، استمرت قوات الاحتلال في محاولتها إحكام السيطرة على المخيم من كل جهاته، والتوغل داخله، وتقسيمه، حسب خطتهم العسكرية، إلى مربعات وفصل كل مربع عن الآخر وقطع الاتصال والتواصل والإمدادات بين المقاومون بغية السيطرة على المقاومة وكسر عظمها، حيث تم فصل الحارة الغربية بالكامل عن حار الحواشين، حيث تقدمت دبابات وآليات أخرى باتجاه مفرق جورة الذهب وحارة السمران ومنزل زياد أبو الهيجا، وخلال ذلك انسحب أبو جندل ومن معه إلى حارة الحواشين.

هنا، نصبت القوات الإسرائيلية كمائن عسكرية، ووزعت قناصة وراصدين بمناظير نهارية وليلية، ورافق ذلك وتصوير جوي على مدار الساعة لإمداد القيادة بكل ما يتحرك على الأرض، وقصفه بواسطة مروحيتين تنشران الموت في الجهة الشمالية فوق ضاحية صباح الخير، ومروحيتين أخريين فوق حرش السعادة… تتبادل أدوار القصف والقتل. وفي ظل هذه الأجواء، لم يكن من متسع لأي مقاوم أن يتحرك بسهولة، لكن ذلك لم يزد المقاومين إلا استبسالاً نظراً لمحدودية الخيارات (في ظل التصفية والقتل)، فلم يعد للمقاومين إلا المقاومة، والمواجهة وحسب. هنا، بدأ المقاومون بإخراج السكان لتقليل الخسائر وليس كما تقول إسرائيل لاستخدامهم كدروع بشرية (الأمر الذي كانت هي من يقوم به)، إذ كان أولئك أهلنا أخواناً وأخوات وزوجات وأبناء وآباء وأمهات, نحميهم ولا نحتمي بهم.

وعلى الرغم من إدراك المقاومين لمدى نجاعة مقاومتهم، إلا إن بعض المصادر الإعلامية كانت تثلج صدورهم بأخبار ذات قيمة عالية لرفع معنوياتهم. ومن ذلك الاتصال الهاتفي الذي أجريته مع الإعلامي وليد العمري، مدير مكتب قناة الجزيرة في فلسطين، حيث أخبرني بأنه موجود في صندلة، مسقط رأسه، وأنه لا يصدق عينيه إذ كانت هناك مروحيات “أنفا” لنقل الجنود الجرحى (وربما القتلى) من سيارات الإسعاف القادمة من محيط مخيم جنين. وهناك تذكرت ما قاله القائد أبو جندل في إحدى الجلسات المكرسة للإعداد للمعركة: “نريد جرحى في صفوف القوات الإسرائيلية الغازية، لأن الجرحى يرهقون الجيش أكثر من القتلى بالعلاج والتضميد والنقل إلى المستشفى. إن صراخهم وعويلهم ومشاهد تألمهم ستؤثر بشكل كبير على معنويات جنودهم.”

وفي المقابل، كانت قوات الاحتلال الإسرائيلية كذلك غير مصدقة لما يحدث، ما دفع رئيس هيئة الأركان شاؤول موفاز إلى تصريح أرعن بأنه سينهي المعركة حتى قبل هذا اليوم. ولكن المعركة تستمر، وجيش الاحتلال الإسرائيلي، ومجتمعه العنصري، لا يطيق حروباً طويلة وخسائر كثيرة. ولذلك، فقد قدم موفاز بنفسه إلى مخيم جنين ( في اليوم السابق)، وتواجد في حي الجابريات لقيادة المعركة بنفسه, بعد أن زاد استغراب الإعلام الإسرائيلي والعربي والعالمي (وفي بعض الأحيان الإعلام الفلسطيني) مما يحصل في مخيم جنين وحي القصبة في نابلس, ما زاد الضغط على قوات الاحتلال الإسرائيلية، كما زاد إصرار المقاومين في المخيم على مواصلة المعركة حتى النصر.

وفي هذا اليوم حاول بعض المقاومين التقدم نحو حارة الدمج لدعم الأخوة المتواجدين بالقرب من الحارة، وعلى رأسهم طه زبيدي، الذي تواجد في بيت خالد البطل، وكان في رفقته شادي صويص، ومحمد نغنغية (إيشت)، وحسين أبو نعسة، وثابت المرداوي، وعبد الهادي العمري. وما أن عبر زبيدي ممراً ضيقاً حتى أطلق قناص إسرائيلي، متمركز على بيت أبو بسام الحريري، رصاصة على رأسه، فخر شهيداً تعانق روحه روح والدته سميرة زبيدي التي استشهدت قبله بشهر تقريباً في 6 آذار 2002, والتي عُرف عنها احتضانها ومساندتها للمقاومين، وكان كل أولادها مشاركين في معركة مخيم جنين: عبد الرحمن, وزكريا , ويحيى, وطه, وجبريل, وداوود الذي كان يتابع المعركة من سجنه. وبعد استشهاد طه قام جندي إسرائيلي بإطلاق قذيفة “إنيرجي” عليه حتى احترق بالكامل إلا عصبة على رأسه كتب عليها “لا إله إلا الله”، وكان طه أحد أهم قادة سرايا القدس-الذراع العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، وكان مسؤول التسليح في سرايا جنين. وفي حدث مشابه، حصلت مواجهات في حارة السمران (القطنات) بالقرب من جورة الذهب عندما تقدمت قوات الاحتلال الإسرائيلية باتجاه حارة الحواشين، فتصدت لها مجموعة من المقاومين، وكان على رأسهم: محمود الحلوة ورائد الأمين ومحمد الأمين وأشرف أبو الهيجاء وعبد الرحيم فرج وعمر أبو الشريف, وأجبروها على التراجع وسقوط العديد من الجرحى في صفوفهم.

 في هذه الأثناء المخيم أُغلق بالكامل، ولم يُسمح لأي شخص مغادرته إلا مستسلماً. فلم يغادر أي مقاوم إلا من قام بتسليم نفسه من المدنيين. وفي هذا اليوم، وبالتحديد في ساعات المساء، ساد الهدوء التام واعتقد المقاومون أن قوات الاحتلال الإسرائيلية ستنسحب كما في اجتياحاتها السابقة لمخيم جنين بسبب الضغط الدولي وشدة المقاومة, ولكن تبين، فيما بعد، أن تلك القوات كانت تقوم باستبدال وحداتها فقط في جنين. وقد طالب موشيه يعالون، نائب رئيس الأركان في حينه، والذي تواجد في مخيم جنين، باستبدال قوات الاحتياط بقوات “جولاني” و”جفعاتي،” وتم استبدال قائد العملية “إيال شلاين” بنائبه “ديدي يديدياه”.

بعد غروب شمس هذا اليوم، قامت مجموعة من المقاومين برصد مجموعة من قوات الاحتلال الإسرائيلية تتقدم من حارة السمران إلى بيت أبو العبد زبيدي والتمركز فيه, محاولة التقدم باتجاه حارة الحواشين من خلال بيت مقابل لبيت أبو العبد زبيدي حيث يفصلهما شارع بعرض أربعة أمتار. وعندها، قام المقاومون بنصب كمين محكم حيث تواجدوا في بيت أبو جواد القاسم وبيت فتحي الناطور, وحسب التعليمات والإرشادات والقواعد العامة للمقاومين (القاضية بـ: عدم الكلام وإصدار أي صوت, وإطفاء التلفونات النقالة والميرسات, وعدم إصدار أي ضوء, سواء دخان أو ضوء البلفون أو اللمبات المتواجدة معهم) كان الهدوء مطبقاً وكأن المكان خال من أي بشر, إلا من صوت الطائرات وهي تمشط المنطقة وتمهد للجنود التقدم من خلال رصاصاها الثقيل. وفي ظل هذا الهدوء السابق للعاصفة، بدأ الجنود الصهاينة بالتقدم والتسلل إلى بيت أبو سمير السولمي جندي-جندي، وبهدوء، وباشروا الصعود إلى درج في مقدمة البيت, وهم مكشوفين تماماً لرجال المقاومة. ومع إعطاء الإشارة, فتح المقاومون نيران رشاشاتهم وبنادقهم من كل الأنواع باتجاه الجنود وبكل كثافة وتركيز، ما أدى إلى قتل العديد منهم وإصابة الكثيرين. وقد روى الأهالي، فيما بعد، أنه قد تم استخدامهم كدروع بشرية، وبأنهم رأوا أربع جثث (لجنود صهاينة) ملقاة على الأرض ما أصاب الجنود الصهاينة الآخرين بالذعر والرعب، وما جعل قسماً منهم يدخل البيت وبسرعة، وقسماً آخر، لم يصل بعد، عاد مسرعاً من حيث أتى إلى بيت أبو العبد زبيدي. ومن الجدير ذكره أنه قد تواجد في هذا المكان كل من محمود طوالبة، وعبد الرحيم فرج، وأشرف أبو الهيجاء، وتحسين أبو الليل، والحاج عماد القاسم، وشادي النوباني، وعماد النشرتي، وعلاء الصباغ، وزكريا زبيدي، ومحمد أبو الزلف.

بعد هذا الكمين، ساد الهدوء مرة أخرى في انتظار ردة فعل القوات الصهيونية. وما هي إلا لحظات حتى عاد الطيران يقصف المنازل والبيوت مستخدماً الصواريخ الحارقة والمتفجرة والرصاص الثقيل. كما استخدمت قوات العدو قذائف الآر-بي-جي والإنرجي, وقذائف الدبابات, بعنف لم يسبق له مثيل حتى اعتقدت قوات الاحتلال الإسرائيلية بأنها قضت على المقاومين جميعاً. ومرة أخرى، كان هناك التزام تام من المقاومين بقواعد الاشتباك المتفق عليها. وفي هذه الأثناء، انسحبت مجموعة من الدبابات والجرافات والمدرعات من المكان، وكانت خدعة، حتى يطلق المقاومون النار عليها, ولكن المقاومين لم يحركوا ساكناً لسببين: الأول إدراكهم للخدعة العسكرية الصهيونية، والآخر التزاماً بتعليمات الاشتباك أن الرصاص من الأسلحة الرشاشة يستخدم فقط ضد الجنود الراجلين, وليس في مواجهة الآليات الثقيلة. وقد كانت لنا تجربة تدعم تعميم هذه القاعدة على المقاومين، حيث قمنا، رفقة ثلاثة من المقاومين، بإطلاق النار مرة واحدة من رشاشات كلاشينكوف على برج الجرافة “N9D”، ولكن وابل الرصاص لم يؤثر فيها بشيء. حتى أن قذيفة الآر-بي-جي الوحيدة التي امتلكها المقاومون، تم إطلاقها على يدي أبو جندل نحو دبابة صهيونية في منطقة زقة “الويمي” (في منطقة الساحة)، فأصابتها إصابة مباشرة لكنها لم تؤثر فيها شيئاً!

بعد الهدوء الكبير، حاولت مجموعة من الجنود الصهاينة، المجموعة التي دخلت بيت أبو سمير السولمي، الانسحاب بهدوء جندي-جندي، لكن أحد المقاومين الساهرين، وقد قاربت الساعة على الثانية ليلاً، سمع صوتا من الباب الخلفي لبيت أبو سمير السولمي، فنبَّه المقاومين لذلك، وبدأت عملية المراقبة إلى أن بدأت مجموعة العدو بالخروج, فأمطرهم المقاومون بوابل من الرصاص الكثيف, فأصابوا ما أصابوا وقتلوا ما قتلوا. وقد استشهد نتيجة لهذه المواجهة المقاوم أشرف أبو الهيجاء الذي أصر على القيام بتمشيط المنطقة بعد إيقاع هذه الإصابات في صفوف جنود الاحتلال, وكان قد غنم خلال معركة حارة الدمج بعض المعدات التي تركها الجنود الصهاينة خلفهم. وقد قام الحاج عماد القاسم (المقدم في جهاز الشرطة، السجين لمدة أربع سنوات), والذي بترت يده في المعركة، بسحب جثة الشهيد أشرف أبو الهيجا من موقع استشهاده. وقد واصل الحاج عماد تشجيع المقاومين على الاستمرار بالمقاومة, وهو يحمل يده المبتورة، وعلى الرغم من خشية المقاومين بأنه قد استشهد.

وفي نهار هذا اليوم، كثفت القوات الإسرائيلية إطلاق النار في زقاق “الويمي” حيث تواجد الحاج علي الصفوري الذي ثبت في مكانه ثبات العسكري المدرَّب الذي يعرف دوره بشكل دقيق، وكان برفقته مجموعة من الأشبال، مثل: الزعبور، ثار أبو الباسم، إياد أبو ترمة. وقد كان المكان قبالة قناصة صهاينة على مدار الساعة متمركزين في بيت الدكتور النشرتي, وكانوا يستخدمون السماعات لمطالبة المقاومين بالاستسلام, فيما كان المقاومون يردون عليهم بالسماعات بمطلب مشابه بالاستسلام والعودة من حيث أتوا، وقد رافق ذلك دق الطبول والغناء والأناشيد الثورية. كان هذا الممر الضيق مغطى بساتر ترابي في المقدمة, وتواجد في بيت أبو سرية العديد من الجرحى, مثل محمد بدوي الذي أصيب في قدمه في المنطقة الغربية وبقي ينزف ولم يستطع أحد علاجه, وأوصى ببيع سيارته وتوزيعها على الفقراء، ويجدر الذكر أن محمد هو أخ الشهيد لطفي البدوي، الذي استشهد في الانتفاضة الأولى.

وإلى هذا المكان ذاته، وصل الشيخ رياض بدير، الذي قدم من طولكرم وكان يحمل إم-16 قصيرة، قاصداً الاستشهاد في مخيم جنين. وقد رافقنا لعدة أيام في المعركة. وقد حاول الوصول إلى الحاج علي الصفوري حيث يتواجد في مكان صعب, كما بينا سابقاً، ولكنه أصيب برصاصة قناص إسرائيلي في الفخذ, فقام بإسعافه المقاوم نضال النوباني, لكنه لم يستطع الحركة، وجلس في حامل للفراش (داخل الجدار) وبدأ بقراءة القرآن. وقد طلب المقاومون منه مراراً الخروج حيث إنه رجل كبير السن (57 عاماً)، ولا يعرفه الجنود ويستطيع أن يحمل هوية أي رجل كبير في المخيم، إلا إنه رفض وقال: “أنا جئت إلى مخيم جنين كي أستشهد.” وقد تم هدم البيت عليه من قبل جرافات قوات الاحتلال الإسرائيلية ووجد مستشهداً بعد هدم البيت يجلس القرفصاء كما كان وهو يقرأ القرآن. في هذه الأثناء، وقريباً من بيت الشهيد يوسف أبو عرب، ونحن نترقب، طلب أحد المقاومين من الحاج أبو رجا أبو سباع مراقبة الشارع، فما أن نظر ومد رأسه إلى الأمام حتى أصيب برصاصة أردته شهيداً.

 وفي ساعة متأخرة من هذه الليلة, وأثناء استراحة المقاومين في بيت جواد القاسم وبعد معركة طويلة جداً, ساد الهدوء المكان, وعادت القوات الإسرائيلية بإطلاق قذائفها على المنزل مرة أخرى, فأصابت قذيفة إنيرجي مباشرة المقاومين وهم نائمون، وكان بحوزتهم حقائب متفجرة انفجرت بقوة ما أدى إلى استشهاد محمود طوالبة (قائد سرايا القدس)، وشادي النوباني, وعبد الرحيم فرج, كما تمت إصابة تحسين أبو الليل الذي استطاع رغم إصابته النزول إلى الطابق الأول والاختباء حتى نهاية المعركة. وكان، خلال اختبائه، يأكل القليل من الجبنة التي وجدها بالمكان ويشرب القليل من الماء. لكنه استشهد، كذلك، فيما بعد، إثر قيام قوات إسرائيلية خاصة باغتياله بعد حصاره في بلدية جنين.

وقد كان من أهم الدروس والعبر من هذه المعركة:

(1) إذا أراد أحد المقاومين التحرك فعليه التحرك قبل أن يحل الظلام؛ (2) ضرورة التزام الهدوء المطلق وعدم الكلام إلا بالإشارة؛ (3) عدم إجراء اتصالات هاتفية؛ (4) عدم التدخين لأن ضوء السيجارة أو الدخان يمكن رصده؛ (5) عمل نوبات نوم ,جزء يستريح وينام وجزء يراقب؛ (6) عدم إطلاق رصاص على الدبابات والجرافات، وادخار للجنود المشاة؛ (7) عدم النوم بالقرب من متفجرات، وضرورة إبعادها حتى وقت استخدامها.

يتبع..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.