أغسطس 15, 2018 (4:55 مساءً)
يوميات معركة مخيم جنين..اليوم الثاني، الثلاثاء 2/4/2002

يوميات معركة مخيم جنين..اليوم الثاني، الثلاثاء 2/4/2002

نسرد هنا يوميات المقاومة في معركة مخيم جنين من يومها ما قبل الأول (الإثنين، الموافق 1/4/2002، وحتى اليوم التالي لانتهائها (الجمعة، الموافق 12/4/2002).
وتُسرد هذه اليوميات على لسان كاتبها  “في رسالة  ماجستير” الاخ النائب جمال حويل   بوصفه  بوصفه احد قادة غرفة العمليات المشتركة واحد مؤسسي كتائب شهداء الاقصى ومشاركاً في المعركة منذ وضع الخطة وتشكيل غرفة العلميات وحتى اليوم الحادي العشر الذي تمت فيه مفاوضات إنهاء المعركة وتسليم من تبقى من المقاومين.

اليوم الثاني، الثلاثاء 2/4/2002

بعد إكمال الحصار حول مدينة جنين ومخيمها، وفرض طوق عسكري من نمط “O” لخنق المقاومين من كل الجهات، بدأت آليات الاحتلال ومن خلفها جنوده بالتقدم ببطء شديد تحت غطاء قصف جوي كثيف من مروحيات الأباتشي والكوبرا المتواجدة على مدار الساعة في أجواء جنين، وبخاصة في الجهتين الشمالية والغربية (الجلمة وحرش السعادة). وقد قامت القوات الإسرائيلية بضرب محوِّل الكهرباء الرئيسي في مدينة جنين، وقطع الكهرباء عن سبعين ألف نسمة في المدينة ومخيمها والقرى المجاورة.
كما تم ضرب خطوط المياه والبنية التحتية من شوارع وخطوط صرف صحي، ومؤسسات ومحلات ومراكز طبية وصحية. كما تم تدمير ما تبقى من مقرات الأجهزة الأمنية الفلسطينية. وفرض منع التجول، وقُطعت إمدادات الأدوية والمواد الغذائية والتموينية عن الأهالي.

وإثر ذلك، قام رجال المقاومة بتفجير العديد من العبوات الناسفة، وإلقاء الأكواع، بالتزامن مع اشتباكات مسلحة قوية في مدخل جنين-شارع نابلس، وحارة السكة، وحارة السيباط (البلدة القديمة في جنين)، والسويطات، والمراح، والحارة الشرقية. وقد ساعدت هذه المواجهة في إبطاء تقدم القوات الإسرائيلية إلا أن تلك القوات استمرت بالتقدم حتى تمركزت حول مخيم جنين من كافة الجهات، وسط إطلاق نار كثيف من مدافع الدبابات والطائرات ورشاشاتها وصواريخها.

هنا، حاولت قوات الاحتلال الإسرائيلية المتمركزة في الجابريات التقدم من الجهة الجنوبية حوالي الساعة العاشرة من صباح اليوم الثاني (2/4/2002 مستخدمة غطاء جوياً عبر قصف مستمر بصواريخ مروحيات الأباتشي، ورصاص رشاشاتها الثقيلة، وقنابل الدخان حتى تغطي تقدمهم باتجاه بعض البيوت المشرفة على المخيم وذلك للتمركز والسيطرة. كما تم وضع قناصاتهم للمراقبة والترصد، إلا إن قوات المقاومة أجبرتهم على الرحيل وذلك بجهود مجموعة من المقاومين الذين يقودهم زياد العامر والشيخ محمود الحلوة وعلاء فريحات، وقد كان العامر، في حينه، يقوم بجولة تفقدية للمجموعات لرفع المعنويات ومعرفة أي نقص في العتاد والتموين وسده، وغير ذلك.

وفي المقابل كان ثمة أجواء من الحماسة والترقب والتحضير لهذه المواجهة من قبل شباب المقاومة في أزقة مخيم جنين وشوارعه وبيوته، وكان الانتظار لساعة الصفر وبدء المعركة على أشده. وفي هذه الأثناء علمنا باعتقال ثلاثة من المقاومين من أبناء المخيم وتواجدهم في رام الله، وهم: عبد الكريم عويس، ورمزي الفياض، ومحمد أبو طول وهم من أهم القيادات المؤسسة لكتائب شهداء الأقصى، ومعهم الشبل الحاج خضر. هنا، حاولت المقاومة الاشتباك مع بعض المجموعات في الخطوط الخلفية لقوات الاحتلال الإسرائيلية، وذلك بتوجيه ضربات والقيام بتفجير العبوات المنتشرة في محاور محافظة جنين. وقد كان على رأس هذه المجموعات قوات من الأمن الوطني، حيث لعب اللواء المرحوم فايز عرفات دوراً هاماً في تزويدنا بالرصاص والبنادق المصادرة (من التنظيمات).

لقد كان رجال المقاومة داخل المخيم يحاولون جر قوات الاحتلال لساعة الصفر من خلال إطلاق النار على الدبابات والجرافات والقوات المنتشرة حول المخيم، واستفزازها كإشارة تحد للجنود بأننا جاهزون نفسياً ومادياً عدةً وعتاداً. عندئذ، كان النفير والسهر على مدار الساعة تحسبا لأي تقدم. وهنا، حاولت قوات الاحتلال الإسرائيلية الإيهام بأن الهجوم سيبدأ من الجهة الجنوبية، حيث بدأت بالتقدم باتجاه المسجد الكبير في المخيم وشارع السكة وشارع الساحة تحت وابل كثيف من نيرات الدبابات والمروحيات عيار (800،500)، وكانت الجرافات تقوم بإزالة السواتر والحواجز وكل ما يقابلها من سيارات، وكانت تهدم كل ما يعيقها من أسوار وبيوت، وكانت تتقدمها كاسحات الألغام لإزالة الألغام وتفجيرها، إلى أن تمركزت القوات والقناصة فوق المنازل وفي أماكن قاموا بتجريدها من أصحابها حسب الخرائط المعدة مسبقاً لديهم. في هذه الأثناء، كان هناك إطلاق نار خفيف من قبل المقاومة باتجاه القوات المتفرقة وبشكل مرشد حسب إرشادات قيادة المقاومة، وذلك بقناعتنا بأن كل الذخيرة يجب أن تصب على العدو وجها لوجه.

ومن ثم، ساد الهدوء الكامل في ساعات الليل الطويل المليئة بالتخوف والترقب والحذر، لكنها كذلك تشهد على جاهزية واستعداد كبيرين، فقد كنا على قناعة بأن جنود الاحتلال كانوا يشعرون بنفس الشعور من الترقب، وهذا ما أكدته مقابلاتهم فيما بعد مع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة. وكان المقاومون مدركين بأنهم ذاهبون إلى ملحمة تاريخية، وبطولة سيسطرها شعبنا بحروف من ذهب ودم في سفر تاريخ المقاومة في التاريخ المعاصر. وفي ساعات الفجر الأولى، وفي حالة من السكون، وهدوء الشهداء في مقابرهم، وتوتر الأحياء فوق أرضهم التي قرروا الدفاع عنها لآخر قطرة دم في ليل مخيم جنين الدامس، ومع رذاذ من المطر الربيعي ذي الرائحة الجذابة، وفي تمام الساعة 2:10 بعد منتصف الليل، وفي فجر 2002/4/3، انطلقت شرار البداية واندلعت المعركة.

يتبع..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.