مخيم جنين: الرحيل الأبدي لا يُنسي أُمهات الشهداء أبناءهن

0

محمد بلاص – “الأيام الالكترونية”: تمضي والدة الشهيد محمود طوالبة كثيراً من وقتها إلى جانب ضريح نجلها في مقبرة “شهداء ملحمة نيسان 2002″، في مكان غير بعيد عن ذلك الذي اعتادت والدة الشهيدين نضال وشادي النوباني، والعديد من الأمهات ممن فقدن فلذات أكبادهن في المجزرة الرهيبة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في نيسان 2002، الجلوس فيه ليحدثن أبناءهن وهم تحت التراب، رغم مرور 15 عاما على رحيلهم الأبدي.

وكان الغزو الإسرائيلي لمخيم جنين، خلف 58 شهيداً، و200 جريح، بعضهم أصبحوا من ذوي الإعاقة، بينما كان الدمار الكامل من نصيب 470 منزلاً، إضافة إلى تدمير جزئي أصاب 419 منزلاً جعلها غير صالحة للسكن، علاوة على 1300 منزل على الأقل تعرضت لأضرار جزئية.

وبسبب العدد المرتفع من الشهداء، اضطر المنكوبون من أهالي المخيم إلى استحداث مقبرة للشهداء في الجزء الغربي منه، لتبقى شاهدا أبديا على المجزرة، ويجد فيها كثير من أبناء المخيم مكانا للراحة، إلى جانب أضرحة الشهداء.

وتكاد والدة الشهيد طوالبة الذي يعتبر أحد أبرز قادة معركة الدفاع عن المخيم، لا تبرح ضريح نجلها، وهي تتذكر المرة الأخيرة التي شاهدته فيها، في اليوم الخامس من المعركة، حيث ودعها وأوصاها بابنته “دعاء” التي لم تكن تتجاوز العامين من عمرها، وابنه حديث الولادة عبد الله.

ولن تنسى هذه اللاجئة الخمسينية طيلة حياتها، تلك اللحظات التي لا تزال ترتسم في مخيلتها، كأنها حدثت قبل دقائق معدودة.

 

أسطورة المخيم

حتى عدة شهور بعد المجزرة، لم تكن والدة الشهيد طوالبة الذي أضحى أسطورة يتغنى بها الفلسطينيون، لتصدق أن ابنها قد استشهد، وظلت تردد: “قلبي يحدثني أن محمود حي”، حتى تلاشى ذلك الأمل مع مرور الوقت لتحتسب ابنها شهيدا.

وعثر المنكوبون من أهالي المخيم، بعد عدة أيام من المجزرة، على جثتين مشوهتي المعالم، وملتصقتين، وقد أجمع كثيرون ممن نجوا من المجزرة على أنهما للشهيدين طوالبة وشادي النوباني اللذين دفنا في قبر واحد، بسبب صعوبة الفصل بين جسديهما.

في مقبرة الشهداء، لا يمل أي من أمهات هؤلاء الشهداء من الحديث عنهم وهم تحت التراب وهن فوقه، وجميعهن يعبرن عن اعتزازهن بهن، على الرغم من قسوة الموقف، بينما يواظب الأطفال على الحضور إلى تلك المقبرة التي أضحت رئة حزن يتنفس منها المنكوبون من اللاجئين في هذا المخيم، كلما أرادوا أن يحادثوا أحبتهم تحت التراب.

وأقيمت تلك المقبرة، على بعد أمتار قليلة من مجمع المدارس التابعة لوكالة الغوث الدولية، حيث يرتادها التلاميذ بزيهم المدرسي، فيضعون حقائبهم جانبا على كومة من التراب، وهم يمارسون لعبتهم المفضلة “لعبة الموت”، والتي أصبحت سلوكا يوميا لهم، عندما ينتهون من يومهم الدراسي، وهم في طريق عودتهم إلى البيت.

 

طفولة دفنت تحت الركام

ويشعر المراقب لهؤلاء الأطفال، أنهم فقدوا كثيرا من معالم طفولتهم التي طمرت تحت ركام منازلهم المدمرة.

وتحول مخيمهم، تحديدا بعد المجزرة، إلى أشبه ما يكون بالأسطورة التي يتغنى بها الجميع، حيث صمد عشرات المقاتلين المزودين بأسلحة خفيفة وقنابل من صنع محلي، بوجه آلة الحرب الإسرائيلية، وتمكنوا من إيقاع الخسائر البشرية والمادية في صفوف القوات الغازية.

في العام 1948 خرج أهالي ما أصبح يعرف بمخيم جنين للاجئين، من ديارهم عنوة، تحت وطأة المجازر الرهيبة التي ارتكبتها العصابات الصهيونية، ليستقر هؤلاء الذين كانوا يعدون بالمئات في سهل “جنزور” قرب بلدة قباطية جنوب جنين، حيث نصبوا الخيام على أمل العودة إلى منازلهم في الجليل والمثلث خلال أيام أو أسابيع.

ومكث اللاجئون في ذلك السهل حتى أوائل الخمسينيات، حيث اضطروا إلى مغادرته بعد أن غمرته السيول التي حولته إلى أكوام من الطين المتحرك، وكادت تغرق من كان يسكنه من اللاجئين الذين أتت المياه على خيامهم وأشيائهم الأخرى، فخرجوا للمرة الثانية بالملابس التي كانت على أجسادهم، من دون أن يتمكنوا من انتشال شيء من أغراضهم إلا القليل.

وبدأ هؤلاء بالتجمع على قطعة من الأرض غرب مخيم جنين، حيث باتوا ليالي طويلة افترشوا خلالها الأرض والتحفوا السماء، وسط البرد القارس، حتى حصلوا على عدد من الخيام تقاسموها في ما بينهم.

وعندما اندلعت حرب الرابع من حزيران العام 1967، رحل عن ذلك المخيم ربع سكانه ممن أصبحوا “نازحين” توجه معظمهم إلى الدول العربية المجاورة وبعض بلدان الشتات الأخرى.

إحصائيات وكالة الغوث

وارتفع عدد القاطنين في المخيم وفقا لإحصائيات وكالة الغوث، إلى نحو 13600 لاجئ يعيشون على قطعة الأرض نفسها التي كان يقيم عليها 4500 لاجئ، ما تسبب بأزمة ازدحام خانقة دفعت بعض الأزواج الجدد إلى الهجرة عن المخيم بحثا عن مساكن خارجه.

وعندما اندلعت “انتفاضة الحجارة” في أواخر العام 1987، كان أهالي المخيم من جديد عرضة لجرائم القتل وهدم المنازل التي نفذتها قوات الاحتلال، حيث استشهد وأصيب المئات، بينما هدمت مئات المنازل، وجرى اعتقال الآلاف من الشبان ممن أمضوا فترات متفاوتة في سجون ومعتقلات الاحتلال.

وكان المخيم حاضنا رئيسا إلى جانب بلدة قباطية لظاهرة المطاردين خلال الانتفاضة، وخصوصا مجموعات “الفهد الأسود” الجناح العسكري لحركة فتح، ومجموعات “النسر الأحمر” الذراع العسكرية للجبهة الشعبية.

ومع اندلاع “انتفاضة الأقصى”، شكل مخيم جنين هدفا لإسرائيل التي حاولت اقتحامه مرات عدة، وبلغت الاعتداءات الإسرائيلية على المخيم ذروتها فجر الثالث من نيسان 2002، حيث دفعت إسرائيل بالمئات من الدبابات وناقلات الجند المصفحة والآليات الثقيلة المعززة بالمروحيات القتالية إلى مشارف المخيم، وبدأت قصفه بالصواريخ والقذائف ورصاص الرشاشات الثقيلة. وشكلت المنازل التي كان اللاجئون يعتقدون أنها آمنة، هدفا مباشراً للقوات الإسرائيلية التي تعمدت قصفها جميعا من دون استثناء، فدمرت المئات، وسوتها الجرافات والصواريخ بالأرض، إضافة إلى سقوط 58 شهيدا، و200 جريح، ومئات المعتقلين.

 

الكمين الدامي

وشهد المخيم، كمينا أطلق عليه جيش الاحتلال اسم “الكمين الدامي”، حيث أرسلت قيادة جيش الاحتلال إلى المخيم وحدة اقتحام خاصة تدعى “إيغوز”، مهمتها خلال المعركة القضاء على المقاومة بالقنص والاغتيال، وقتل خلاله 13 جنديا على الفور، وأصيب سبعة آخرون توفي أحدهم بعد عدة أيام.

وعلى مدار أكثر من عام ونصف العام بعد المجزرة، أبقى الأهالي في ثلاجة الموتى في مستشفى جنين الحكومي، ثلاث جثث متفحمة لشهداء مجهولي الهوية سقطوا خلال المجزرة، ولم يتمكن أحد من التعرف إليهم، ثم نقلت هذه الجثث للتشريح في المعهد الطبي العدلي في أبو ديس، وتبيّن أنها جثث ثلاثة شبان من المخيم كانت اختفت آثارهـــــــم وهم الشهداء: محمد البدوي ومحمود أبو حلوة والمقعد جمال الفايد الذي كانت طواقم الإنقاذ عثرت خلال عملية البحث بعد المجزرة على كرسيه المتحرك، من دون أن يتبين له أي أثر.

وبعد مرور أكثر من 15 عاماً على المجــــــزرة التي يتذكر أهالي المخيم جميع تفاصيلها، يتساءلون: “هل سيحاكم العالم مجرمي الحـرب، أم سيبقى صـامتا صمت أهل القبور؟!”.