الشهيدة مريم وشاحي ارتقت وهي تعد الإفطار للمقاومين في مخيم جنين

0

محمد بلاص – “الأيام الالكترونية”: لا يفارق مشهد الشهيدة مريم وشاحي والدة الشهيد منير وشاحي، مخيلة كثيرين من شبان مخيم جنين، وهي تنقل لهم وجبات الطعام خلال الاجتياح الإسرائيلي المدمر للمخيم في نيسان العام 2002، غير آبهة على الإطلاق لحجم الخطر الرهيب المحدق بها، دون أن تعلم أن هناك شارعا واحدا لا يتجاوز عرضه أربعة أمتار يفصلها عن البيت الذي كان يحتضن نجلها شهيدا وهي لا تعلم بنبأ استشهاده.

يقول أحد الشبان: “في اليوم الرابع من المعركة، شاهدت الشهيدة مريم وشاحي، تحمل بين يديها طنجرة طبيخ، أعدتها للمقاتلين، فأرادت أن تعبر الشارع، دون أن تكترث للصواريخ والقذائف والرصاص الثقيل الذي كان يتساقط على كل شبر من أرض المخيم”.

وأضاف: “شاهد أحد المقاتلين الشهيدة التي كانت تواظب على تزويدهم بالطعام والشراب، منذ اليوم الأول من المعارك، فطلب منها عدم عبور الشارع، خشية على حياتها، ما دفعها إلى التريث قليلا، وإلقاء ما كانت تحمله على رأسها إلى عرض الشارع بعد أن أحكمت إغلاقه”.
في تلك اللحظات، تابع الشاهد، قفز أحد الشبان، مسرعا فالتقط طنجرة الطبيخ، وعاد بها بلمح البصر، في منظر كان جد رهيبا، ومحاولة كان من الممكن أن تكون نتيجتها استشهاد ذلك الشاب الذي عاد فرحا، بعد أن نجحت المحاولة.

وفي اليوم التالي، عاودت وشاحي الكرة، ولكن الشبان ضغطوا عليها أن لا تقترب أو تعبر ذات الشارع، وهم يطلبون منها أن لا تغامر، بينما كانت ترد عليهم بالقول: “ولو حياتي أغلى من حياتكم”، حتى استجابت أخيرا لضغوطهم، قال الشاهد الذي تابع: “لكن في حقيقة الأمر، لم يكن منطلق الشبان الخشية على حياة الشهيدة، وإنما حرص منهم أن لا تقترب من المكان الذي كان يرقد فيه نجلها شهيدا، بعد أن أصابته عدة رصاصات، وحال الجيش الإسرائيلي دون تمكين الأهالي من نقله إلى المستشفى، حيث بقي ينزف حتى لفظ أنفاسه الأخيرة”.

ولم تكن الأم تعلم، في تلك اللحظات، نبأ استشهاد ابنها الطالب في الثانوية العامة، حتى التحقت به بعد ثلاثة عندما أصيبت في مقتل داخل منزلها، أمام زوجها وطفلها الصغير مهند الذي لم يكن يتجاوز من العمر 12 عاماً.

ولن ينسى مهند ما حيي والدته التي استشهدت أثناء قيامها بإعداد الطعام للمقاومين في المخيم ونزفت حتى لفظت أنفاسها الأخيرة أمامه ووالده دون أن يتمكنا من مساعدة، وبقيت برفقتهما ليومين كاملين في غرفة واحدة.

وكان مهند، بمثابة حلقة الوصل لتوصيل الطعام الذي كانت تعده والدته للمقاومين لتسليمهم وجباتهم من ما تيسر لها من حواضر البيت.

وقال: “عندما بدأ الجيش الإسرائيلي بمحاصرة المخيم، حضر شقيقي منير وودع والدتي، وبعد وقت قصير كانت أطراف الحي الذي تقطن فيه عائلة وشاحي والواقع بالقرب من شارع المحطة على أطراف المخيم، هدفا لاجتياح قوات الاحتلال التي نشرت القناصة على أسطح البنايات المطلة على المخيم، والدبابات والآليات الثقيلة في كل مكان، استعداداً للهجوم.
ومنذ اليوم الأول للاجتياح، قال مهند: “كانت أمي تعد كل صباح الخبز وترسله للشبان المتواجدين في المكان، وأبقتني في البيت لمساعدتها”.

وفي يوم استشهادها، قال مهند: “طلب أبي من أمي عدم الخروج مثل عادتها، بعد أن تقدم جيش الاحتلال ونشر المزيد من فرق القناصة في المنطقة المحيطة، إلا أنها رفضت وأصرت على إيصال الإفطار للشباب بنفسها، وأثناء ذلك خرجت من الغرفة حيث كانت والدتي وذهبت لأغسل وجهي، فسمعت شيئا وقع على الأرض، وملأ المكان بالدخان، وعندها ناديت على أمي ولكنها لم ترد، وطلب مني والدي أن لا أتحرك حتى نعرف ما الذي جرى”.

وبعد أن خفت كثافة الدخان داخل الغرفة، دخل مهند إلى الغرفة حيث ترك قبل دقائق والدته فوجدها ملقاة على الأرض على العجين الذي كانت تحضره، وكانت مصابة بشظية في رأسها، فاستعان ووالده بابن الجيران الذي يملك جهاز تلفون كان لا يزال يعمل، ليطلب الإسعاف إلا أن الإسعاف أبلغوه أن القناصة والدبابات تمنع حركتهم، فلم يكن أمامهم إلا محاولة إسعافها.

وبحسب مهند: “كانت أمي حتى هذه اللحظة على قيد الحياة، وتتألم من الإصابة في رأسها، وتنادي على أخي منير، وبقيت على هذه الحالة حتى الساعة 12 ليلاً، وأنا إلى جوارها، فتعبت ونمت، وفي الصباح ناديت عليها، فقال لي أبي إنها ارتاحت ونامت فاتركها، وعندها عرفت أنها استشهدت، فرفعت المنديل عن وجهها وقرأت لها الفاتحة وودعتها”.

وبقي مهند ووالده برفقة جثة الأم في البيت ليومين، حتى اليوم السابع من الاجتياح، حيث جمع جنود الاحتلال قسما من الشباب والأهالي في ساحة المخيم، ففتحا باب منزلهما، وعندها وقعت أنظار جنود الاحتلال عليهما، وطلبوا منهما الخروج، إلا أنهما أبلغا الجنود أن هناك شهيدة داخل المنزل، فأرسلوا ضابط إسعاف لنقلها.

في هذه الفترة، قال مهند، طلب الجنود من الأطفال ممن هم دون سن 14 عاما التوجه إلى مقر الهلال الأحمر المجاور للمخيم في المدينة، حيث التقى بشقيقه عبد الله، فسأله: “مين الست اللي عنا بالدار مستشهدة”، فقال له “إنها أمي”.
وحتى تلك اللحظة، لم يكن مهند يعلم أن أمه عندما كانت تحتضر وتنادي على منير، كان قلب الأم يحدثها أنه استشهد.

وبحسب الزوج عيسى وشاحي، فإن زوجته الشهيدة كانت تستيقظ فجرا لتصلي الفجر ومن ثم تبدأ بإعداد الطعام اللازم للشبان فكانت تقوم بعمل ما يتجاوز 100 رغيف من الخبز والزعتر فطورا للشباب بشكل شبه يومي، لتبدأ بعد ذلك رحلتها الأصعب في إيصال كل ما صنعت للشبان داخل المخيم، فكانت تتنقل من زقاق إلى زقاق وتتحين فترات الهدوء في القصف وحتى وإن لم يحصل هدوء، فهذا لا يعني بالنسبة لها الشيء الكثير، ولكن ما يهمها هو أن تسد شيئا من جوع الشبان.

وفي أحد المرات التي عادت فيها بعد إيصالها الطعام للشبان، قال وشاحي: “أغلقت الباب من خلفها بسرعة وهي في حالة من الخوف ولون وجهها مصفر حيث قالت وهي تلهث: لقد أطلقوا النار علي، ولكن قدر الله ولطف والحمد لله”.

وفي صبيحة يوم الاثنين الموافق الثامن من نيسان العام 2002، قال وشاحي، واصلت “أم مروان” ما عزمت القيام به يوميا في خدمة الشباب، وقامت بعجن الكمية التي تريد من العجين في الغرفة السفلى من منزلهم، حيث دوى صوت انفجار كبير في المكان، وعندما تلاشى الدخان والغبار الكثيف، تبين له أن الطابق السفلي تعرض للقصف من قبل مروحيات “الأباتشي” التي كان تحلق في سماء المخيم.

وتابع أبو مروان: “دخلت من وسط الدمار وقد سمعت صوت أنين وصراخ، وبحثت عن مصدره وإذا بزوجتي وقد ضرجت بدمائها وكانت ملقاة على إناء العجين وأصيبت بعدد كبير من الشظايا في أنحاء جسدها وخاصة في منطقة الصدر والوجه والرأس، ولم أدر ماذا أفعل في تلك اللحظة، فاتصلت بسيارات الإسعاف وحددت لها مكاننا بدقة، وبعد لحظات كانت السيارة لا تبعد عنا أكثر من عشرين مترا، إلا أن قوات الاحتلال بدأت تطلق زخات من الرصاص على الطريق في مقدمة السيارة، ما اضطرها إلى التراجع”.

وقال: “حاول رجال الإسعاف المخاطرة لثلاث مرات كادوا يفقدون حياتهم فيها إلا أنهم فشلوا فيها جميعا، وكان المنظر مؤلما جدا أن ترى زوجتك وهي تموت أمامك وأنت لا تستطيع فعل شيء، وبدأ طفلي الصغير يربت على وجه زوجتي وهي تحتضر، وكلما حاولت الخروج من المنزل للطلب من قوات الاحتلال وقف إطلاق النار لنقل زوجتي إلى المستشفى، كان الجنود يطلقون سيلا من قنابل الغاز المسيل للدموع”.