أغسطس 15, 2018 (4:54 مساءً)

قصيدة جنين – مظفر النواب

 

لأبطالها المجد والياسمين

لصمتِ الصباحِ الحزين

لحزن الأزقةِ يعبق منها الزمان

لأجراس ضحكاتِ أطفالها

للترابِ الثمين

لبيوتِ الصفيحِ المقاتلِ

تخرج منها العصافيرُ زقزقةً وتعود زخارفَ شدوٍ

بما شاهدتْ من دوي السنين

للنهار المهدمِ في مهد طفلٍ تضرجَ في صمتنا العربي

والدم ينزفُ من بين أحجارها

للركامِ شَّمُوخٌ يطالُ النجومَ

بمن تحته استُشْهِدُوا واقفينْ

لمحمودَ (محمود طوالبة) وهو يقود ثمانية من ألذِّ الشباب

ويهزم ما قيل أعتى الجيوش

كميناً هنا وكميناً هناك

ويجعل منهم لبعض كمين

تعال استمع

فالخرابُ يرتلُ كيفَ المعاركُ دارتْ

وكيف تلاحم عُريُّ الصدور بدبابة بعد أخرى

تعال استمعْ

وجع القلبِ شحَّ العتاد ولمْ يبقى إلا النفوسَ

فجادوا بها

ظهرهم للجدارِ الأخيرِ

ليبقى المخيمُ عالٍ مضيءَ الجبينْ

جميع الجهات تحاولُ طمس الجريمة

لا سيما مجلسُ الزِّفتْ

ثَمَّ مقايضة عاهرٍ

يخجلُ العهرُ منها

وما جف دم المخيم بعدْ

وظنوه أمسى ركاماً وكانوا من الخاطئين

خسئِوا، كلُ طفلٍ مخيمٌ ما بين أضلاعه

نسخةٌ مِنْ جِنِيـن

من هنا يدخلون جهنما

لا نتركُ الآن عودَ ثقابٍ بلا هدف

والصفيحُ الصفيحُ سنشحذه مرتين

ونصقلُ أي حديد سلاحاً

وألعابَ أطفالنا والحروف الصغيرة

إن الحروف الصغيرة تدمي ولا يستهان بها في زئير العرين

برامج هذا العدو قناعته وإذاعاته لاجتثاث

أرومتنا من تراب التي نحن تربتها الأولين

يقول دعاة الهزيمة : هذا التطرف جرَّ البلاد إلى مُشكلٍ
يقول دعاة الهزيمة : هذا التطرف صبَّ البلاءَ على أهلنا
يتغابونَ …

بل يدفنون الرؤوس بأُسدِ العدو

وهم يعلكون السكوت المُشين

ستأتي الليالي جهاماً

تنزُّ دماً وقيحاً

إذا ما أصخنا لهذي النعاجِ اللئيمة

إن الذئاب لها ذمةٌ بالقَيَاسِ بِهِمْ

فهم من قُرَادِ الذئابِ ومستذئبين

لها تُسْلكُ الدمعُ والسَكَتَاتِ بكل خيوط الزمان

عقوداً لفِتْيَتِها ، للمُحَيَّى الأبيِّ

لقامتها إذ تشحُ الظلال تمد ظلال

للصغار أريجهم الأبدي ينبههم

يرفعون الظلام يعيدون حزن أصابع قد قطعت

يرسمون غداً مترعاً بالسلاح

وداسوا على علم الاحتلال

لا تَسَلْنِي : وكيف الأصابع مقطوعة تتحدى؟!

أجيبك لا يعرفون المحال !

رسموا للتقصي الذي لا يجيء

خرائط للجرح، للشهداء، لمستقبل يرجعون الحقول إليه

ينامون في ظل زيتونة إذ يفيض النهار سلاماً

ولم يأتِ بعد التقصي

أيحتاج دمٌ بهذا الوضوح تقصٍ ؟!

وتبقى الخرائط مفتوحة، والحسابات مفتوحة، والسؤال

نفضوا يدهم

رسموا لجنة للتقصي بلا شرفٍ

من جميع جوانبها عملةٌ بائرة

لها العار أيامنا

شمّرتْ عن حديد وتهربُ وهي تغطي على عورتيها

فأطفالنا ربّعوا الدائرة

ألا يخجل الجبناء البراذين

يختزنون السلاح

وشعب يقارع دبابة بعد أخرى بحدٍ الأظافرِ

يا أمة الصبر هُبي انهضي

ادعسي ما يُسمى الموازين

إن حكوماتنا تتناطح إذ لا نطاح

فإن نملةٌ ضرطت من بعيد تغوص قرونهم في العقول

فثور خنيث وثور خبيث وآخر في الحرب صفر له خصيتان

يُرَقِص أردافه كلما قرع الطبل في طرطرة

شربوا دمنا بالتذاذ الخنازير

داسوا الحياة واستباحوا الصلاة

ولم يتركوا منزلا نسفوا ما بناه الزمان الجميل

وأدموا هواء الربيع

يرجون رباً بتوراتهم يقطع الغيث عنا

للسنونو أتى الصيف

أتى القيض لم تلقَ ظل البيوت

فظلت تدور شريطاً من الذكرياتِ

بَنَتْ في الخراب المضمخ بالأمس عشاً

على نمط الدورِ في الناصرة

هنا كان ملعب للفقراء الصغار

لهم كرةٌ من بقايا الثياب

وكان هنا هدف من خيالٍ وحارسُ مرمى

يصد الهجوم الجميل ..

يُشَمّر عن سنِّه العاشرة

وجاء الهجوم القبيح

فثبّتَ في الأرض أقدامه

ردّ سيل كراتٍ من النار ثُمّ اختفى

انظروا للفراغ الجميل هناك

غدا الآن حارس مرمى البلاد

إذا أحضروا همج الأرض من كل دربٍ وصوبِ وشنوا الهجوم

يَشُنُّ الهجوم المعاكس بالآخرة

فأقوى السلاح هو الآخرة

جنيــنُ ! أعَدْتِ لأمَتِنا الذاكرة

وصار صراع الوجود مُعافى

وقد كاد تمحوه أنظمة السمسرة

أقبّلُ نُبْلَ ترابك إنّ الصلاةَ مضاعفةٌ يا جنينُ بتربتكِ الطاهرةِ

 

مظفر النواب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.