أغسطس 15, 2018 (4:54 مساءً)
الفنان التشكيلي محمد الشلبي: ملء الجدران بـ «لوحات المحرومين»

الفنان التشكيلي محمد الشلبي: ملء الجدران بـ «لوحات المحرومين»

جنين-محمد بلاص: كانت مدينة القدس المحتلة، بمسجدها الأقصى وبقبة الصخرة المشرفة، وأبوابها السبعة ومساجدها وكنائسها، ومخيمات اللاجئين، بكثير من تفاصيلها وكل أشكال المعاناة فيها، كما الحياة والأمل والحنين إلى أرض الآباء والأجداد، الحاضر الأبرز في لوحات الفنان التشكيلي محمد الشلبي (51 عاما) من مخيم جنين.

ولا يكاد شارع أو مكان عام أو متنزه في محافظة جنين وعدد من محافظات شمال الضفة الغربية، يخلو من الجداريات الفنية للفنان الشلبي الذي كان لبؤس الحياة التي يعيشها في المخيم والمشاهد اليومية المؤلمة التي أصبحت جزءا من تفاصيل حياته اليومية، أثر كبير في صقل شخصيته الفنية وفنه التشكيلي، ما جعله يعكس بريشته إبداعا فنيا تجسد في لوحاته التي اعتلت الجدران وأضفت عليها جمالا مختلفا.

في أزقة المخيم وشوارعه الضيقة، أصبحت أعمال الفنان الشلبي معلماً يهتدي به الزائرون للمخيم وحتى من يقطنون فيه، لدرجة أصبحت فيها أسماء بعض لوحاته مثل “كي لا ننسى” و”العودة” عناوين لبعض الأحياء والحارات.

وبشيء من الأمل، يجمع الشلبي أركان أعماله الفنية ليجسد أفكاره عبر لوحات عادة ما تحمل حكايات تتقارب لسرد المعنى والمضمون.

كانت البداية كما يقول الشلبي، منذ صغره عندما بدأت عيناه تتفتحان على واقع المخيم المرير وكثير من القصص المأساوية التي سمعها من والده إبان تهجير عائلته من قريته زرعين المهجرة داخل الخط الأخضر، ثم أصبح يرى بأم عينه أكثر المشاهد ألما وهو توزيع وكالة الغوث لـ”المؤن” وهي مواد غذائية على اللاجئين، فكان لذلك المشهد أثره الكبير في تحول الفنان وانطلاقه نحو تجسيد ما كان يراه عبر لوحاته، وإن كانت في بادئ الأمر كما وصفها مجرد “طلاسم” لا يفهمها سواه كما يقول.

انعطافة نوعية

وبحسب الشلبي، فإن اعتقاله من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي أواخر الثمانينيات وقضائه في سجون الاحتلال نحو ست سنوات، شكل انعطافة نوعية في موهبته، فاستطاع بجهد ذاتي أن يرسم لنفسه الطريق من بدايته، واستغل فترة اعتقاله في قراءة الفن التشكيلي وتفحص زواياه ومقوماته، واطلع على أعمال فنانين كبار مثل دافنشي وبيكاسو وغيرهما، وعزز معرفته عقب إطلاق سراحه بارتياد المكتبات وقراءة مقررات يتم تدريسها في الجامعات، ليسقط لاحقا إبداعه على الأرض بلوحات وجداريات داخل المخيم وخارجه حظيت بإعجاب شعبي واسع.

وشكلت مشاركته الأولى في معرض “رباعيات الخزان” بمخيم جنين عام 1996، دفعة قوية لهذا الفنان الذي استطاع بالشراكة مع نخبة من الفنانين تجسيد معرضهم بلوحات تسرد حكاية أربعة لاجئين ساءت أحوالهم في الغربة، فهربوا من رب العمل الذي كان يطاردهم واختبؤوا بالخزان، فماتوا خنقا.

وتتالت أعمال الشلبي الفردية والجماعية بإقامته العديد من المعارض للوحاته محليا ودوليا، وتميز بإشراك فنانين أطفال في بعض رسوماته، وأضفى بأسلوبه الخاص في الأفكار وانتقاء الألوان جمالا أكبر على أعماله.

ومزج الشلبي، بين الألوان المائية والزيتية وأنواع الفن التشكيلي كالواقعي والتجريدي، وجمع بين الحب والكراهية والخير والشر في موضوعات عديدة تناولها كاللجوء والتشرد وتبعاته والحلم بالعودة والذي وصفه بـ “الحق المقدس”، ولا زال يؤمن أن المخيم مجرد “محطة” في حياة اللاجئين على طريق العودة إلى أرض الآباء والأجداد.

إبداع وعملقة

ومن وجهة نظر الشلبي، يكمن السر وراء اختياره للجدران للرسم، في قدرته على ما وصفه بـ “الإبداع والعملقة” أكثر من اللوحات العادية، عدا عن كون الجدران تسقط الفوارق المجتمعية لكونها متاحة للكل ويرى نفسه بها أكثر، ويجعل فنه يصل إلى الجميع.

وبإجماع الكثيرين، أبدع الفنان الشلبي في مجاله الفني مثل أولئك الذين أبدعوا في المقاومة وغيرها، فاستطاع توثيق اللحظة وعمل انتفاضة ثقافية وأوصل رسالة المخيم، وكان دوره أكبر مما يتوقع، فهو جسد الصمود بكل معانيه وصوره، وأضحت أعماله علامة مميزة، وأوكلت إليه مؤسسات كثيرة رسم جداريات تحكي ألم الناس وأملهم وأخرى ذات مواضيع تربوية وتعليمية، ولكن ما يغيظه هو عبث بعض الناس بتلك الجداريات.

وحملت البصمات الفنية للفنان الشلبي، مئات التواقيع على اللوحات والجدرايات المعبرية والتي تحمل من الرسائل الشيء الكثير.

يقول الشلبي: “عندما اكتشفت موهبتي، توجهت إلى فنان تشكيلي ليشجعني ويقيم رسمي ويوجهني، لكنه للأسف أشعرني بالإحباط، وقلل من أهمية ما أحمل له، فشعرت بالإحباط، لكني لم أفقد الإصرار، وكان لحديثه انطلاقة قوية، فعمدت إلى دراسة الفن والرسم من أمهات الكتب، للاطلاع على أبجدياته ومدارسه وتجاربه وأساليب الفن الشرقي والغربي وحياة الفنانين العالميين والمقررات الجامعية”.

المدرسة الانطباعية

وكانت أول لوحة رسمها الشلبي، لوحة “عكا”، والتي حملها وذهب بها إلى ذات الفنان الذي قصده من قبل، وكان عنده أناس من عكا قاموا بشراء لوحته الأولى على الفور، فعاد وهو يحمل الثقة العالية والنجاح.

واطلع الشلبي، على معظم مدارس الفن التشكيلي، لكنه وجد نفسه يميل إلى المدرسة الانطباعية، بالرغم من تمسكه بالمدارس الأخرى من منطلق المعرفة ومزاوجة المدارس خاصة الفن التجريدي.

وتابع: “هذه المزاوجة أو التعامل مع كل مدرسة على حدة بالتوافق مع الزمن ينبئك بإمكانية أن تستخلص لك المدرسة الأنسب، وهذا ما كان حيث وجدت نفسي إلى جانب المدرسة الانطباعية بالدرجة الأولى وهي الأقرب لنفسي والتجريدية بالمقام الثاني”.

وللجداريات مع الفنان الشلبي قصة، حيث وضع توقيعه على عدد من الجداريات في أكثر من محافظة من محافظات الوطن، كانت أولها جدارية “أحلام الطفولة” في سلفيت والتي يبلغ طولها ستة أمتار وارتفاعها مترين، وجداريات مشابهة في قباطية ويعبد وجنين والمخيم والعيزرية في القدس.

ومن وجهة نظر الشلبي، فإن هذه الجدرايات تحاكي الطفولة وأحلام أطفال فلسطين والمستقبل الذي ينتظرهم بلمسات من الأمل بعيدا عن هواجس الخوف والتوتر الناتج عن الظروف التي يعيشها أبناء الشعب الفلسطيني وتحديدا الأطفال.

ويرى الشلبي، في الجداريات التي رسمها، أنها لوحات “المحرومين”، فهي لا تباع ولا تشترى، بل يتاح لكل مواطن أن يراها ويتأمل بها، فتكون فنا عاما ينتفع منه الجميع بعيدا على الكلاسيكية المعهودة في اللوحات وخصوصية اقتنائها.

وتطرق، إلى واقع الفن التشكيلي الفلسطيني ورسالته الوطنية، فقال، إنه حي وموجود، لكنه مبعثر للأسف، ويحتاج إلى تجميع للجهد والقوة من أجل تأدية رسالته الوطنية، فاللوحة رسالة يقرأها القلب والوجدان.

وأضاف: “من السهل على الفنان نقل لوحاته إلى العالم، وخاصة تلك التي تجسد معاناة شعب فلسطين من أجل عرضها وإبراز عدالة هذه القضية وكسب التعاطف والتأييد والمناصرة، لكن هناك دورا مطلوبا من نقابات الفنانين التشكيليين الفلسطينيين في كل مكان أن توحد الجهود من أجل إنجاح هذه المهمة”.

ويعتقد، أن المؤسسات التي تتبنى جموع الفنانين التشكيليين لا تقوم بالمطلوب منها على المستوى الوطني أو الإقليمي أو العالمي، ولا تقدم الدعم المطلوب للفنان بالشكل المطلوب، ليبقى أسيرا لمحاولاته الذاتية وعطائه المفرد.

ودفعت هذه الحالة، الشلبي إلى إطلاق مبادرة ذاتية لتأسيس ملتقى للفنانين التشكيليين في محافظتي جنين وطوباس على اعتبار أن هاتين المحافظتين هما الأقرب له جغرافيا ومكانيا، وانضم إلى هذا الملتقى عدد لا بأس به من الفنانين التشكيليين.

الفن فكرة ومضمون

وبعد هذه التجربة الغنية التي يتجاوز عمرها الزمني 30 عاما، يعرف الفنان الشلبي الفن بالقول: “إنه عبارة عن مضمون وفكرة داخل وجدان الإنسان يحولها الفنان إلى لوحة بشكل يجعل المضمون يطغى على الشكل، ويعبر مخزون المضمون عن دلالات هذه اللوحة”.

ويعتقد أن الفكرة تستلهم استلهاما، وقد تكون من لحظة تأمل أو مشاهدة في الشارع أو بتأثير من موسيقى أو شعر أو خواطر، وأحياناً اللوحة التي رسمتها من قبل يدقق فيها مرة أخرى ويبادر بعد عام مثلا إلى رسمها مرة أخرى بعد أن اكتشف فيها شيئاً جديداً.

ويطمح الشلبي، أن يواصل هذه الرسالة حتى يصل إلى الفن العالمي مهما طالت الطريق، ويشعر أنه وضع نفسه في بداية الطريق، ولا بد من نهاية الطريق ما دام سائرا.

وعملت مع مؤسسة مسرح “الحرية” في مخيم جنين، الراحلة آرنا خميس وابنها جوليانو في تعليم فن الرسم لأطفال وأبناء المخيم، وعمل مع جمعية “كي ﻻ ننسى” في رسم عدة جداريات تتحدث عن النكبة، ويقوم حاليا برسم جداريات في قرية “حداد” السياحية، وشارك في معرض ببلدة كونيو الإيطالية بأكثر من 30 لوحة فنية تتحدث عن الخير والشر واعتداءات الاحتلال.

المصدر : صحيفة الايام

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.